صفوة التفاسير


تفسير القران الكريم , جامع بين الماثور و المعقول , مستمد من اوثق كتب التفسير (الطبري , الكشاف , القرطبي , الالوسي , ابن كثير ,البحر المحيط) و غيرها باسلوب ميسر , وتنظيم حديث , مع العناية بالوجوه البيانية و اللغوية
         و الكتاب من تاليف محمد علي الصابوني ، الاستاذ بكلية الشريعة و الدراسات الاسلامية مكة المكرمة - جامعة الملك عبد العزيز ، دار الصابوني .

"الجزء الاول من المقدمة"
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الذي انار قلوب عباده المتقين بنور كتابه المبين , و جعل القران شفاء لما في الصدور و هدى و رحمة للمؤمنين , و الصلاة والسلام على خاتم الانبياء و اشرف المرسلين , سيدنا محمد النبي العربي الامين , الذي فتح الله به اعينا عميا , و اذانا صما , وقلوبا غلفا , و اخرج به الناس من الظلمات الى النور , صلاة وسلاما دائمين الى يوم البعث و النشور و على اله الطيبين الاطهار , و اصحابه الهادين الابرار , و من تبعهم باحسان الى يوم الدين , و بعد :
فلا يزال القران الكريم بحرا زاخرا بانواع العلوم و المعارف , يحتاج من يرغب الحصول على لآلئه و درره , ان يغوص في اعماقه , و لايزال القران يتحدى اساطين البلغاء , و مصاقيع العلماء , بانه الكتاب المعجز , المنزل على النبي الامي شاهدا بصدقه , يحمل بين دفتيه برهان كماله , و اية اعجازه , و دليل انه تنزيل الحكيم العليم : ( نزل به الروح الامين.على قلبك لتكون من المنذرين .بلسان عربي مبين  )
و على كثرة ما كتب العلماء و الفوا - وعلى كثرة ما تحويه المكتبة الاسلامية من اسفار ضخمة , و كتب نفيسة , خدم بها العلماء كتاب الله الجليل- يبقى القران زاخرا بالعجائب , مملوءا بالدرر و الجواهر , بما يبهر العقول و يحير الالباب , بما فيه من الاشراقات الالهية , و الفيوضات القدسية , و النفحات النورانية , بما هو كفيل لتخليص الانسانية , من شقاء الحياة و جحيمها المستعر ... و كل علم شاط و احترق الا "علم التفسير" فانه لا يزال بحرا لجيا , يحتاج الى من يغوص في اعماقه , لاستخراج كنوزه الثمينة , و استنباط روائعه و اسراره , و لا يزال العلماء يقفون عند ساحله , يرتشفون من معينه الصافي و لا يرتوون ... و من ذا الذي يستطيع ان يحيط علما بكلام رب العزة جل و علا , وان يدرك اسراره , و دقائقه , و اعجازه ! وان يزعم انه اوفى او وصل الى درجة الكمال !!
انه الكتاب المعجز , الذي سيظل يمنح الانسانية , من علومه و معارفه , و من اسراره و حكمه , ما يزيدهم ايمانا و اذعانا بانه "المعجزة الخالدة" للنبي العربي الامي محمد بن عبد الله صلوات الله و سلامه عليه و انه تنزيل الحكيم الحميد .
واذا كان المسلم قد اضطرته الدنيا ليشغل وقته في تحصيل معاشه , و ضاقت ايامه عن الرجوع الى التفاسير الكبيرة , التي خدم بها اسلافنا -رضوان الله عليهم- كتاب الله تعالى , تبيانا و تفصيلا لاياته , و اظهارا لبلاغته , و ايضاحا لاعجازه , و ابرازا لما حواه الكتاب المجيد من تشريع و تهذيب , و احكام و اخلاق , وتربية و توجيه ... فان من واجب العلماء اليوم ان يبذلوا جهدهم لتيسير فهمه على الناس , باسلوب واضح , وبيان ناصع , لاحشو فيه ولا تطويل , و لا تعقيد و لا تكلف , و ان يبرزوا ما في القران من روعة الاعجاز و البيان , بما يتفق و روح العصر الحديث , و يلبي حاجة الشباب المثقف , المتعطش الى التزود من علوم و معارف القران الكريم .
ولم اجد تفسيرا لكتاب الله عز وجل -على ما وصفت- رغم الحاجة اليه , وسؤال الناس عنه , و رغبتهم فيه , فعزمت على القيام بهذا العمل , رغم ما فيه من مشقة و تعب , و احتياجه لوقت لا يتاح في هذا الزمان , مستعينا بالله الكريم , متوكلا عليه , سائلا اياه ان يعينني على اتمام هذا الواجب , وان يوفقني لاخراجه بشكل يليق بكتاب الله تعالى , يعين المسلم على فهم ايات القران , و التزود من بيانه , ما يزيده ايمانا و يقينا , و يدفعه الى العمل الجاد الموفق الى مرضاة الرب جل و علا .
و قد اسميت كتابي " صفوة التفاسير " و ذلك لانه جامع لعيون ما في التفاسير الكبيرة المفصلة , مع الاختصار و الترتيب , و الوضوح و البيان , و كلي امل ان يكون اسمه مطابقا لمسماه , وان تستفيد منه الامة الاسلامية , بما يوضح لها السبيل الاقوم , و الصراط المستقيم.
و قد سلكت في طريقي لتفسير الكتاب العزيز الاسلوب الاتي :
اولا : بين يدي السورة , و هو بيان اجمالي للسورة الكريمة و توضيح مقاصدها الاساسية .
ثانيا : المناسبة بين الايات السابقة و الايات اللاحقة .
ثالثا : اللغة مع بيان الاشتقاق اللغوي و الشواهد العربية .
رابعا : سبب النزول .
خامسا : التفسير .
سادسا : البلاغة .
سابعا : الفوائد و اللطائف .
و قد مكثت في تاليف هذا التفسير خمس سنوات , اواصل فيه الليل بالنهار , و ما كنت اكتب شيئا حتى اقرأ ما كتبه المفسرون في امهات كتب التفسير الموثوقة , مع التحري الدقيق لاصح الاقوال و ارجحها , و انني اشكر المولى جل و علا ان سهل لي هذا العمل , فقد كنت اشعر ان الزمن يطوى لي , و كل ذلك ببركات جوار البيت العتيق الذي اكرمني الله و شرفني بجواره , منذ ان انتدبت للتدريس بكلية الشريعة و الدراسات الاسلامية بمكة المكرمة عام الف و ثلاثمائة و احدى و ثمانين من هجرة سيد المرسلين .
و الله تعالى اسال ان يسدد خطاي , و يجزل لي الثواب يوم المآب , فما عملت الا املا بنيل رضاه , راجيا منه ان يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم , و يبقيه ذخرا لي يوم الدين , و ارجوا ممن قرا فيه فاستفاد ان يخصني بدعوة صالحة تنفعني يوم المعاد , و صلى الله على سيدنا محمد و اله و صحبه وسلم تسليما كثيرا .